محمد باقر الملكي الميانجي
14
مناهج البيان في تفسير القرآن
قال الرازيّ في تفسيره 30 / 60 : المسألة الثانية : اعلم أنّ ظاهر هذه الآية لا يدلّ على أنّ هذه الكواكب مركوزة في السّماء الدنيا . وذلك لأنّ السّموات إذا كانت شفّافة ، فالكواكب سواء كانت في السّماء الدنيا ، أو كانت في سماوات أخرى فوقها ، فهي لا بدّ وأن تظهر في السّماء الدنيا وتلوح منها . فعلى التقديرين تكون السّماء الدنيا مزيّنة بهذه المصابيح . قلت : ما ذكره الرازيّ لا ينكر ، بل يشهد له بعض الروايات - كما سيأتي في تفسير سورة الطّارق إن شاء اللّه - إلا أنّ الآية الكريمة ناظرة إلى أنّ النجوم مخلوقة للسّماء الدنيا ، وما ذكره الرازيّ يحتاج إلى عناية أخرى . فالقدر المتيقّن في الآية الكريمة ، أنّ هذه الزّينة المذكورة وكونها مصابيح ورجوما للشّياطين ، مختصّة بالسّماء الدنيا فقطّ . قوله تعالى : « بِمَصابِيحَ » : جمع مصباح ؛ مثل مفتاح ؛ أي : ما يستضاء به ، وهو السراج . قال تعالى : « تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً » . ( الفرقان / 61 ) قوله تعالى : « وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ » . قال في القاموس 4 / 117 : الرجم . . . اللّعن والشتم والهجران والطّرد ، ورمي بالحجارة ، واسم ما يرجم به . أقول : والمتناسب في المقام هو اللّعن والهجران والطّرد . فالأظهر في معنى قوله تعالى : « رُجُوماً لِلشَّياطِينِ » ؛ أي : بشهب وشعلة من الكواكب لا نفسها . ويشهد على ما ذكرنا قوله تعالى : « وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ . وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ . إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ » . ( الحجر 16 - 18 ) . « لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ . دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ . إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ » . ( الصّافّات / 8 - 10 )